إخوان الصفاء
309
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
العقاقير على اختلاف طبائعها في الأعضاء المختلفة بالخواص التي فيها . فهذا أيضا دليل على أن الرّقى والعوذ تعمل في الأنفس وتؤثّر فيها على قدر جواهرها وطبائعها . ثم إن الحكماء دلّت على الخواصّ التي في العقاقير والأدوية على طبائعها ، وأثبتت كل طبع وكل خاصيّة لما ذا يصلح وينفع ، ولما ذا يضر ويؤذي ، ولأي داء ينفع ، ولأي عضو من الأعضاء يضرّ . كذلك أيضا قد دلّت على هذا الرّقى والعوذ والنّشر « 1 » ، وأثبتت ما يفتح لكل شيء من الحيوان وما يخصه ، مثل رقية قلم السرور ، ورقى الحياة ، ومثل ما تؤثّر رقية العقرب ورقية الزنابير وغير ذلك من الحيوان ، ومثل ما يؤثّر السحر في أنفس الآدميين وأجسادهم وهو شيء يطول الشرح فيه . وقد حكينا فيما تقدم من رسالتنا هذه ما قد دلّ على صحة القول به وصحة العلم بالطّلسمات ، وفي بعض ما ذكرناه كفاية في الدلالة على صحة القول به وصحة العلم لمن وقع بما قلناه فيه . وأما هذه الرّقى والنّشر والعزائم وما يشاكلها فإنما هي آثار لطيفة روحانية من النفس الناطقة تؤثّر في النفس البهيميّة وفي الحيوان . فمنها ما يحرّكها ويزعجها ، ومنها ما يقمعها ، ومنها ما يعمل فيها بتأثيرات قوية أعمالا مختلفة ، فيه إصابة بالعين ، وربما شجّه ، وربما صرعه . فقد رأينا كثيرا من يصرع الإنسان في أقلّ من ساعة إذا جلس بين يديه ! وإنما ذلك أثر لطيف يبدر من نفس فيعمل في نفس أخرى ، كما يبدر الشرر من النار فيقع في الأجرام فيحرقها ، إلّا أن الذي يبدر من النفس روحانيّ لطيف ، لأنه يخرج من النفس اللطيفة ويعمل في لطيفة مثلها . والذي يخرج من النار هو أكثف منه على قدر كثافة النار ، ويعمل في الأجرام الكثيفة ويكون سبب هذا الأثر . إذا نظرت وتصوّرت صورة المنظور إليه
--> ( 1 ) النشر : جمع النشرة ، وهي رقية يعالج بها المجنون والمريض .